المناوي
25
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
وقال : كان بين أصحابنا رجل يكثر أن يقول : اللّه ، اللّه ، فوقع يوما على رأسه جذع فشجّه ، وسقط دمه ، فكتب على الأرض اللّه اللّه ؛ وذلك أنّ كلّ إناء ينضح بما فيه . وقال : قدمت من مكّة ، فبدأت بالجنيد لئلّا يبغني « 1 » ، فسلّمت ، ثمّ مضيت لمنزلي ، فلمّا صلّيت الصّبح إذا به خلفي ، فقلت : أنا جئتك أمس لئلّا تبغني « 2 » . قال : ذاك فضلك ، وهذا حقّك . وكان لا يلبس إلّا ثوبا واحدا ، فسئل عنه ، فقال : كان في جامع بغداد فقير لم يجتمع له ثوبان قطّ في شتاء ولا صيف « 3 » ، فسئل عن حاله فقال : كنت مولعا بكثرة لبس الثّياب ، فرأيت كأنّي أدخلت الجنّة ، وجماعة فقراء على مائدة ، فأردت الجلوس معهم ، فأقامني الملائكة ، وقالوا : هؤلاء أصحاب ثوب واحد ، وأنت صاحب ثوبين ، فانتبهت ونذرت أن لا ألبس إلّا واحدا . وقال : من توهّم أنّ عملا من أعماله يوصله إلى مأموله الأعلى أو الأدنى فقد ضلّ عن الطّريق ؛ لأنّ المصطفى يقول : « لن ينجي أحدكم عمله » « 4 » فما لا ينجّي من المخوف فكيف يبلغ إلى المأمول ؟ ومن صحّ اعتماده على فضله فذاك الذي يرجى له الوصول . وقال : أمرنا هذا كلّه مجموع على فضل واحد ، وهو أن تلزم نفسك المراقبة ، ويكون العلم على ظاهرك قائما . وكان عنده جماعة ، فقال : هل فيكم من إذا أراد اللّه أن يحدث في المملكة حدثا أعلمه به قبل إبدائه ؟ قالوا : لا ، فقال : مرّوا ، وابكوا على قلوب لم تجد من اللّه شيئا من هذا .
--> ( 1 ) في مناقب الأبرار 132 / ب ، والمختار 60 / ب : لكي لا يتعنّى إليّ . ( 2 ) في مناقب الأبرار 132 / ب ، والمختار 60 / ب : لكي لا تتعنّى إليّ . ( 3 ) في الأصول : كان ببغداد فقير لا يرى في السنة إلا مرة في الشتاء ومرة في الصيف . والمثبت من مناقب الأبرار 134 / أ ، وطبقات الأولياء 73 ، 74 . ( 4 ) أخرجه أحمد في المسند 2 / 482 ، 488 ، 503 عن أبي هريرة ، ورجاله رجال الصحيح ، وانظر إلى روايات الحديث في مجمع الزوائد 10 / 356 .